ندفع ثمن المنتج عند شرائه، ثم يتحمل المجتمع كلفة جمع ما يخلّفه ونقله ومعالجته. وبين سعر الرفّ وفاتورة النفايات، يختبر لبنان معادلة اقتصاديّة حساسة: كيف نحمّل الملوِّث كلفة ما ينتجه، من دون أن تتحول السياسة البيئية إلى عبء عشوائي على المستهلك؟
تبدأ القصة من رفّ في متجر. يشتري المستهلك زجاجة ماء أو عبوة منظّف أو جهازًا كهربائيًا، ويدفع ثمنها عند صندوق المحاسبة، ثم يمضي في يومه. لكن السلعة لا تنتهي اقتصاديًا عند لحظة استخدامها؛ فبعد نفاد محتواها أو تعطلها، تبدأ رحلة ثانية لا يراها المشتري على الفاتورة: جمع، نقل، فرز، ومعالجة، ثم تدوير أو طمر، وقد تنتهي برميها في مكبّ عشوائي يترك كلفته الصحية والبيئية للمجتمع.
للمنتج، بهذا المعنى، فاتورتان: واحدة يدفعها المشتري عند اقتنائه، وأخرى يدفعها المجتمع عندما يتخلص منه. وقد لا تكون الثانية ظاهرة في حساب الأسرة، لكنها لا تختفي؛ إذ تتحملها البلديات والخزينة ومؤسسات الخدمات، أو تظهر لاحقًا في تلوث المياه والتربة والهواء وتدهور المحيط الذي يعيش فيه الناس.
هذه ليست ملاحظة بيئية فحسب، بل مسألة أساسية في الاقتصاد. فعندما لا يعكس سعر السلعة كامل الكلفة الناجمة عن مخلفاتها، ينتقل جزء من العبء من المنتج والمستهلك المباشر إلى المال العام. وفي هذه الحالة، قد يبدو المنتج رخيصًا في السوق، فيما تكون إدارته بعد الاستخدام مكلفة للجميع.
لبنان بدأ أخيرًا يتعامل مع هذه المشكلة من زاوية التمويل والحوكمة. فقد أقرّ القانون الرقم 38 في 5 كانون الثاني 2026، المعروف بقانون استرداد كلفة إدارة النفايات، وأُقرّ تحديث الاستراتيجية الوطنية المتكاملة لهذا القطاع، كما عُيّن مجلس إدارة الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة في مطلع العام. لكن نقل هذه الإصلاحات من النصوص إلى التطبيق كشف خلافًا جوهريًا: ليس كافيًا أن نقرر أن النفايات يجب أن تُموّل، بل علينا تحديد من يدفع، وعلى أي أساس، ولأي غاية تُنفق الأموال (وزارة البيئة).
كلفة بلا عنوان
ظهر هذا الخلاف بوضوح عند محاولة تطبيق الرسوم البيئية على المنتجات المستوردة. فقد أثار المرسوم الرقم 3214 الصادر في حزيران 2026 اعتراضات واسعة بعدما رفع الرسوم على 98 فئة من المنتجات، قبل أن يعلّق مجلس الوزراء العمل به في 29 حزيران، بسبب المخاوف من انعكاساته الاقتصادية والاجتماعية. ثم أُعيد النظر في الجدول، وصدر المرسوم الرقم 3754 في 26 آب 2026 معدّلًا الرسوم، مع إعادة بعض الفئات إلى المستويات المحددة في القانون، وفرض نسب جديدة على فئات أخرى(رئاسة مجلس الوزراء؛ الجريدة الرسمية، العدد 37).
هذه التطورات ليست تفصيلًا إداريًا. إنها تكشف صعوبة تحويل مبدأ «الملوِّث يدفع» إلى سياسة قابلة للتطبيق في اقتصاد يعاني تضخمًا وضغطًا على القدرة الشرائية، فيما يحتاج قطاع النفايات إلى تمويل منتظم لا يمكن أن يبقى رهينة سلفات الخزينة وأموال البلديات المتعثرة.
لكن ثمة فرقًا بين رسم بيئي محسوب ورسم يُضاف إلى سعر السلعة من دون صلة واضحة بالكلفة التي يُفترض أن يغطيها. فإذا احتُسب الرسم كنسبة من قيمة المنتج، لا من مقدار النفايات التي يولدها أو كلفة معالجتها، فقد لا يعكس العبء البيئي الفعلي بالضرورة. فالمنتج الأعلى سعرًا ليس دائمًا الأكثر توليدًا للنفايات، والعبوة الرخيصة قد تتحول، عند إنتاجها واستهلاكها على نطاق واسع، إلى عبء كبير على منظومة الجمع والمعالجة.
لهذا يجب أن يقوم أي نظام للرسوم على بيانات قابلة للتحقق: ما نوع النفايات؟ ما كميتها؟ هل يمكن إعادة استخدامها أو تدويرها؟ ما كلفة جمعها ومعالجتها؟ وما مقدار الضرر الذي تتركه إذا انتهى بها الأمر في مكبّ غير صحي؟ من دون هذه المعايير، يخاطر الرسم بأن يصبح أداة لتحصيل الإيرادات أكثر منه وسيلة لتعديل سلوك الإنتاج والاستهلاك.
وهناك أيضًا مسألة توزيع الكلفة. فالرسوم التي تُحصّل عند الاستيراد قد يتحملها المستورد جزئيًا، أو يمرّرها إلى المستهلك، أو يتقاسمها مع المنتج والموزّع بحسب المنافسة وهوامش الربح. لذلك ليس دقيقًا افتراض أن كل زيادة في الرسم ستنعكس تلقائيًا وبالنسبة نفسها على السعر النهائي، كما ليس واقعيًا افتراض أن المستورد سيمتصّها كلها. الأثر الفعلي يحتاج إلى متابعة للأسعار والأسواق، خصوصًا حين تشمل الرسوم سلعًا استهلاكية أو مواد أولية تدخل في الإنتاج المحلي.
هنا يصبح السؤال الاقتصادي أكثر دقة: هل نريد تمويل خدمة عامة مفقودة، أم نريد تغيير الطريقة التي تُصنع بها المنتجات وتُعبّأ وتُستهلك؟ إن كان الهدف الأول وحده، فقد تنجح الدولة في جمع المال من دون أن تقلل كميّة النفايات وهذا مُرجّح مع الفساد المستشري. أما إذا كان الهدف هو تقليل المخلّفات من المصدر، فيجب أن تمنح السياسة حافزًا حقيقيًا للمنتج كي يخفف التغليف، ويختار مواد أكثر قابلية للتدوير، ويصمم منتجات أطول عمرًا، ويشارك في تمويل جمعها بعد الاستخدام.
من القمامة إلى الصناعة
لا يمكن للبنان أن يبني سياسة نفايات مستدامة بالرسوم وحدها. فالمال لا يحلّ مشكلة إذا لم توجد منظومة قادرة على تحويله إلى خدمة قابلة للقياس: جمع منتظم، وفرز فعلي، ومعالجة مناسبة، وسوق تستوعب المواد المستردة، ومطامر صحية لما لا يمكن تدويره. كما ينبغي ألّا يُقدَّم التدوير بوصفه حلًا شاملًا؛ فبعض المواد يصعب تدويرها اقتصاديًا أو تقنيًا، وبعض العمليات تستهلك طاقة ومياهًا وموارد قد تقلل الفائدة البيئية إذا أُديرت بصورة غير سليمة.
ومن هنا تأتي أهمية التطورات المؤسسية التي شهدها لبنان خلال 2026. ففي تموز أُطلقت حزمة دراسات وطنية ومنصة معلومات جغرافية لقطاع النفايات، تشمل الورق والكرتون والنفايات الإلكترونية والطبية والخضراء ومخلّفات المسالخ والوقود المشتق من النفايات. وتهدف هذه الأدوات إلى تحديد الفجوات في الخدمات والبنية التحتية، وتوجيه الاستثمارات، وتحسين التخطيط على المستوى الوطني والمحلي (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي).
وفي آب، أعلنت الأمم المتحدة أن نظامًا وطنيًا لمراقبة إدارة النفايات سُلّم إلى وزارة البيئة، مع خطة محدثة لإقفال المكبات العشوائية وتأهيل المواقع ذات المخاطر الأعلى. ويمثل إدخال البيانات إلى منظومة مراقبة وطنية خطوة مهمة، لأنه يسمح تدريجيًا بالانتقال من تقديرات متفرقة إلى معرفة أوضح بالكميات والمنشآت وقدرات المعالجة.
لكن القيمة الحقيقية لهذه البيانات لن تظهر في عدد التقارير التي تُنشر، بل في القرارات التي ستتغير بفضلها. فإذا أظهرت البيانات أن منطقة ما تنتج كميات كبيرة من النفايات العضوية، فقد يكون الاستثمار في التسميد أكثر جدوى من نقلها لمسافات طويلة. وإذا كشفت أن الكرتون والورق يشكلان تيارًا مهمًا يمكن استرداد قيمته، يصبح تنظيم جمعهما وفرزهما مسألة صناعية لا حملة توعية عابرة. أما النفايات الطبية والإلكترونية، فتحتاج إلى مسارات خاصة بسبب أخطارها ومتطلبات معالجتها، ولا يجوز خلطها بالنفايات المنزلية العادية.
من هنا، لا يكمن الوعد الاقتصادي في الادعاء بأن كل كيس قمامة ثروة ضائعة، بل في معرفة ما الذي يمكن استرداده فعلًا، وبأي كلفة، ومن سيشتريه، وهل تكفي الإيرادات لتغطية التشغيل والصيانة على المدى الطويل. وقد تتحول بعض المواد إلى مدخلات للصناعة، وتوفر عمليات الفرز والمعالجة وظائف واستثمارات، لكن ذلك لا يحدث تلقائيًا؛ إنه يتطلب جودة ثابتة للمواد، وعقودًا واضحة، وأسواقًا قادرة على استيعابها، ورقابة تمنع أن ينتهي ما جُمِع وفرِز في المكبّ نفسه.
وعلى الدولة أن تحسم مسألة لا تقل أهمية: إذا جُمعت رسوم تحت عنوان حماية البيئة، فيجب أن يستطيع المواطن تتبع ما جُمع وأين أُنفق، وما الذي تحسن في المقابل. ينبغي نشر الإيرادات المحصلة، وكلفة كل مرحلة من الخدمة، والكميات التي جرى تدويرها أو طمرها، ومستوى التزام المتعهدين، والنتائج البيئية الفعلية. فهذا ليس ترفًا إداريًا، بل شرط لبناء الثقة في أي رسم جديد، خصوصًا في بلد دفع فيه المواطن مرارًا كلفة خدمات لم يحصل عليها بالمستوى المطلوب.
ولا يجوز، في المقابل، تحميل الأسر الأقل دخلًا كلفة إصلاح نظام لم تصمّمه وحدها ولم تكن صاحبة القرار في طريقة إدارته. فالمبدأ البيئي العادل لا يعني أن يدفع المستهلك الفاتورة كاملة لمجرد أنه آخر حلقة في السلسلة. بل يتطلب توزيع المسؤولية بين المنتج والمستورد والموزع والمستهلك والجهات العامة، وفق مقدار مساهمة كل منهم في توليد النفايات وقدرته على تقليلها، مع حماية السلع الأساسية والإنتاج المحلي من أعباء غير مدروسة.
وهنا تنكشف الفكرة التي ينبغي أن تحكم هذا الملف كله: لا يكفي أن نعرف كم تكلف النفايات؛ يجب أن نعرف لماذا تُنتَج بهذه الكميات، ومن يستطيع خفضها، ومن يتحمل ثمنها عندما تفشل الوقاية والمعالجة.
قد يبدو هذا النقاش أقل جاذبية من الحديث عن مصانع حديثة أو استثمارات بملايين الدولارات، لكنه يتصل مباشرة بحياة الناس. فكل نظام فاشل لجمع النفايات يرفع كلفة البلد الصحية والبيئية، وكل رسم غير مدروس قد يضغط على الأسعار، وكل مادة قابلة للاسترداد تُطمر من دون سبب اقتصادي مقنع تمثل فرصة ضائعة للإنتاج. وبين هذه النتائج، لا تكون البيئة منفصلة عن الاقتصاد، بل جزءًا من حساباته الحقيقية.
في المرة المقبلة التي يشتري فيها اللبناني سلعة معبأة، لن يرى غالبًا في سعرها سوى ما يدفعه عند الصندوق. لكن قيمة المنتج لا تنتهي عند استهلاكه، كما أنّ مسؤولية التخلص منه لا ينبغي أن تبدأ عند الحاوية وحدها.
السؤال ليس كيف نجعل اللبناني يدفع فاتورة النفايات؛ بل كيف نمنع أن يدفع ثمن المنتج، ثم ثمن عجز النظام عن التعامل مع ما يتركه وراءه.